فخر الدين الرازي
58
تفسير الرازي
المصدر ، والمعنى : حركت حركة شديدة ، كما قال : * ( إذا رجت الأرض رجاً ) * وقال قوم : ليس المراد من زلزلت حركت ، بل المراد : تحركت واضطربت ، والدليل عليه أنه تعالى يخبر عنها في جميع السورة كما يخبر عن المختار القادر ، ولأن هذا أدخل في التهويل كأنه تعالى يقول : إن الجماد ليضطرب لأوائل القيامة ، أما آن لك أن تضطرب وتتيقظ من غفلتك ويقرب منه : * ( لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) * واعلم أن زل للحركة المعتادة ، وزلزل للحركة الشديدة العظيمة ، لما فيه من معنى التكرير ، وهو كالصرصر في الريح ، ولأجل شدة هذه الحركة وصفها الله تعالى بالعظم فقال : * ( إن زلزلة الساعة شيء عظيم ) * . المسألة الرابعة : قال مجاهد : المراد من الزلزلة المذكورة في هذه الآية النفخة الأولى كقوله : * ( يوم ترجف الراجفة ، تتبعها الرادفة ) * أي تزلزل في النفخة الأولى ، ثم تزلزل ثانياً فتخرج موتاها وهي الأثقال ، وقال آخرون : هذه الزلزلة هي الثانية بدليل أنه تعالى جعل من لوازمها أنها تخرج الأرض أثقالها ، وذلك إنما يكون في الزلزلة الثانية . المسألة الخامسة : في قوله : * ( زلزالها ) * بالإضافة وجوه أحدها : القدر اللائق بها في الحكمة ، كقولك : أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته ، تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة والثاني : أن يكون المعنى زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه ، والمعنى أنه وجد من الزلزلة كل ما يحتمله المحل والثالث : * ( زلزالها ) * الموعود أو المكتوب عليها إذا قدرت تقدير الحي ، تقريره ما روى أنها تزلزل من شدة صوت إسرافيل لما أنها قدرت تقدير الحي . * ( وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا ) * . أما قوله : * ( وأخرجت الأرض أثقالها ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الأثقال قولان : * ( أحدهما ) * أنه جمع ثقل وهو متاع البيت : * ( وتحمل أثقالكم ) * جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها ، قال أبو عبيدة والأخفش : إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها ، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها ، وقيل : سمي الجن والإنس بالثقلين لأن الأرض تثقل بهم إذا كانوا في بطنها ويثقلون عليها إذا كانوا فوقها ، ثم قال : المراد من هذه الزلزلة ، الزلزلة الأولى يقول : أخرجت الأرض أثقالها ، يعني الكنوز فيمتلئ ظهر الأرض ذهباً ولا أحد يلتفت إليه ، كأن الذهب يصيح ويقول : أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي ! أو تكون الفائدة في إخراجها كما قال تعالى : * ( يوم يحمي عليها في نار جهنم ) * ومن قال : المراد من هذه الزلزلة الثانية وهي بعد القيامة . قال : تخرج الأثقال يعني الموتى أحياء كالأم تلده حياً ، وقيل : تلفظه الأسرار ، ولذلك قال : * ( يومئذ تحدث أخبارها ) * فتشهد لك أو عليك .